"بسم الله الرحمن والرحيم
    والصلاة والسلام على نبيه الكريم

    السيد وزير الخارجية والجالية الوطنية بالخارج؛
    السيدات والسادة رؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية؛
    السيدات والسادة إطارات الدولة كل بمقامه ورتبته؛
    السيدات والسادة الحضور، أسرة الإعلام.

أستسمحكم فـي البداية، بأن أحيي هذه الـمبادرة بتنظيم ندوة لرؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية، لتكون تقليداً جديداً يؤسس لخلق فضاء للتنسيق والتوجيه، من أجل تجسيد سياسة خارجية فعالة، تحت قيادة وإشراف رئيس الجمهورية السيد عبد الـمجيد تبون، الذي شَرّف هذه الندوة برعايته السامية.

إنها إذًا مناسبة للتأكيد على الأهمية البالغة التي توليها الحكومة للدبلوماسية، إدراكا منها بالدور الكبير الذي تلعبه فـي الـمساهمة فـي إنجاح مسار الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي باشرتها الجزائر،  والتي تتطلب إنفتاحا أكبر على العالـم الخارجي، وهنا يكمن الدور الـمحوري للدبلوماسية بصفة عامة والدبلوماسية الإقتصادية بشكل خاص، في ضمان الإستفادة من إتجاهات الإقتصاد العالـمي وتفادي تأثيراتها السلبية لاسيما على الإقتصاد والتجارة، وكذا تحقيق الأهداف الإستراتيجية الـمتمثلة أساساً في جذب الإستثمار وترقية الصادرات خارج الـمحروقات خدمة لبناء النموذج الإقتصادي الجديد القائم عل التنويع.

أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،

تهدف  الإستراتيجية الجديدة، التي أقرها السيد رئيس الجمهورية، إلى إعادة تموقع بلادنا على الصعيد الدولي واسترجاع مكانتها، وفقا لرؤية مدروسة وواضحة، ترتكز على مبادئنا الثابتة، وقيمنا الراسخة، وتعمل على تحقيق مصالحنا والحفاظ على أمننا الشامل.

ومن أجل  ذلك، تسعى بلادنا إلى تحقيق تنمية حقيقية تحررنا من التبعية ومن الحاجة وتسمح لنا بأن نكون فاعلين ومؤثرين في الـمعادلة الدولية.

وضمن هذا الـمسعى، جاء برنامج السيد رئيس الجمهورية بمشروع شامل ومتكامل يقوم على رؤية مستقبلية واضحة، تستفيد من الدروس الـمستخلصة من الأزمات ومن مختلف التحولات التي يعرفها العالـم على جميع الأصعدة، والاستغلال الأمثل للـموارد الهائلة التي حبانا الله بها.

وبهذا الشأن، وفي إطار تطبيق الإلتزامات الأربعة والخمسون  للسيد رئيس الجمهورية، باشرت الحكومة برنامج إصلاح هيكلي شامل لكل الـمنظومة الاقتصادية، بداية من وضع الرؤية ووصولا لتطوير وسائل عمل وأدوات قياس الأداء ومراقبته، وتحرير الـمبادرة الخاصة وتشجيعها، وفسح الـمجال أمام الـمنافسة ورأس الـمال الوطني والأجنبي، من أجل تعزيز دعائم الإنعاش الاقتصادي في إطار رؤية استراتيجية ترمي إلى تنمية القطاعات الرئيسية التي تساهم في تحقيق النمو الاقتصادي، لاسيما قطاعات الطاقة والـمناجم، والإنتقال الطاقوي،  والفلاحة، والصناعات الغذائية والصناعة الصيدلانية  والسياحة،  وغيرها من الـميادين التي تضمن الأمن القومي  بمفهومه الشامل، الذي أصبحت تتطلع إليه جميع الدول، مستلهمة العبر والدروس من الأزمة الـمتعددة الأبعاد التي خلفتها الأزمة الصحية الناجمة عن تفشي جائحة كورونا كوفيد- 19.

كما تعمل الحكومة، ضمن تنفيذ مخطط عملها، على إصلاح الـمنظومة الـمصرفية والـمالية وعصرنتها، وتعكف على تحسين جاذبية مناج الإستثمار من خلال مراجعة عميقة لقانون الإستثمار، بما يجعله يتماشى وسياسة الدولة الرامية  إلى تنويع  الإقتصاد  وزيادة الصادرات خارج قطاع الـمحروقات، مثلما تهدف هذه الـمراجعة إلى التكفل بمختلف إنشغالات الـمتعاملين الإقتصاديين وإلى رفع الـمعوقات والعراقيل التي تحول دون تحقيق مشاريعهم الإستثمارية، وفق نظرة إستشرافية تأخذ في الحسبان التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني وحركة الإستثمارات الأجنبية، حتى نضمن إستقرارا أكبر للـمنظومة القانونية والـمؤسساتية الـمتعلقة بالفعل الإستثماري، ووضع مناج أعمال أكثر ملائمة يوفر فرصا حقيقية للإستثمار وبيئة جذابة تتميز بالوضوح والشفافية وتسودها الثقة بين الـمستثمر ومؤسسات الدولة.

فلا يعقل ألا تستفيد بلادنا مما حباها الله من موقع إستراتيجي هام وموارد طبيعية كثيرة، ومن مزايا تنافسية متعددة في مجال الإستثمار،حيث لـم يتعدى حجم الإستثمار الأجنبي الـمباشر معدل 1,3 مليار دولار في السنة، أغلبها في قطاع الـمحروقات؛ وهو رقم بعيد جدا، بل يكاد ينعدم، مقارنة بدول أخرى لا تملك من الإمكانيات والـموارد ما تملكه بلادنا.

وهنا،  ينبغي  التأكيد  على  أن  ممثلياتنا الدبلوماسية مطالبة  بأن تقوم بعمل استباقي أكبر وتتحلى بمزيد من اليقظة، وأن تكون في مستوى ما تقتضيه متطلبات الـمرافقة الجيدة للإقتصاد الوطني على مستوى البيئة الإقتصادية الدولية، وذلك بالـمبادرة بالبحث عن شركاء حقيقيين وجديين   ومستعدين  للتعامل   وفـــق   مبدأ  رابــح ــ رابـــح، وهذا بالتعريف بمختلف الفرص الإستثمارية والـمزايا والتحفيزات  التي  تقدمها  بلادنا  فـي  مجال  الإستثمار، وكذا شرح الإجراءات التي إتخذتها الدولة والإصلاحات الهيكلية الكبرى التي قامت بها من أجل ضمان تسهيل فعل الإستثمار.

أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،

إن الحكومة، فضلا عن ذلك، تعكف على إستكمال إنشاء آلية مكلفة بإدارة وتنسيق عمليات تحسين مناج الأعمال والعمل على إعطاء صورة حقيقية عن تطور أوضاع بيئة الأعمال في الجزائر.

وهنا أستسمحكم بالإشارة إلى أنه يجب العمل أيضاً على تصحيح بعض الصور النمطية الـمتداولة لدى بعض الترتيبات الدولية في مجالات تنافسية الاقتصاد والتجارة والابتكار والبحث العلـمي  وغيرها، والتي لا تعكس، في الكثير منها حقيقة الـمؤشرات الاقتصادية الوطنية، وذلك من خلال متابعة دقيقة لهذه الترتيبات الدولية، والحرص على وصولها إلى الـمعلومة الصحيحة والرسمية، بدل الاتكال على تقارير مغلوطة ومجانبة للصواب.

 ويجب أن تولي ممثلياتنا الدبلوماسية والقنصلية أهمية خاصة لهذا العمل لكونه يتصل مباشرة بترقية صورة الجزائر على الصعيد الدولي وبتفادي الإضرار بمصالحها جراء مثل هذه الصور الـمغلوطة التي تُنفِّر الاستثمار الأجنبي.

أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،

لقد التزم السيد رئيس الجمهورية وأكد في العديد من الـمناسبات على محاربة الفساد بدون هوادة، وعلى استرجاع الأموال الـمنهوبة التي تم تهريبها خارج الوطن، وأقر لأجل ذلك مقاربة شاملة، كما قرر إنشاء لجنة خبراء، تعمل تحت إشرافي الـمباشر، لـمتابعة هذا الـملف.

وتجسيداً لهذا الالتزام، فإن ممثلياتنا الدبلوماسية مطالبة بأن تتجند بشكل تام، لأداء دور محوري في هذا الإطار، لاسيما من خلال تكثيف الاتصالات مع السلطات الأجنبية الـمعنية لتتبع مآل مختلف الإنابات القضائية وطلبات التعاون القضائي التي أصدرتها سلطاتنا القضائية، والحرص على تنفيذها من قبل الدول الـمعنية، وكذا الـمساهمة مع الجهات الوطنية والأجنبية الـمختصة فـي رصد وتحديد هذه الأملاك وإنفاذ الإجراءات الـمتخذة بصددها، بكل ما يتطلبه هذا النوع من الـملفات من سرعة وفعالية، تجنبا لكل محاولة تبديد لهذه الأموال.   

أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،

لا يفوتني أيضا التطرق إلى الأهداف الإستراتيجية التي سطرتها الحكومة في برنامج عملها، والـمتعلقة بالسياسة التجارية التي ترتكز أساسا على ترقية الصادرات خارج الـمحروقات، والتحكم  فـي  الواردات  ومحاربة  التبذير وتضخيم الفواتير، ضمن مسار تنويع الإقتصاد وإستعادة التوازنات الخارجية.

وبهدف الرفع من قدرات بلادنا على الولوج إلى الأسواق الدولية، تعمل الحكومة على تعزيز إنتاجية مؤسساتنا وتنافسيتها وكذا تحسين التسهيلات اللوجيستية والـمالية والإدارية والقانونية للتصدير، وتطوير اتفاقيات تجارية في إطار سياسة تجارية نشطة وأكثر استباقية.

وجدير بالتنويه، بأنه، ولله الحمد، قد بدأت بوادر تصحيح اختلالات الـميزان التجاري تلوح في الأفق، وهذا بتسجيل منحى تصاعدي للصادرات خارج الـمحروقات، والذي سجل لأول مرة في تاريخ الجزائر ما يفوق 3,4 مليار دولار، ومن شأن هذا الـمنحى أن يتزايد، بإذن الله، مع زوال الأزمة الصحية والعودة الكلية لنشاط الـمؤسسات، حيث من الـمتوقع أن يتم تحقيق فائض في الـميزان التجاري في نهاية هذه السنة.

وعليه،  يتعين  علينا  جميعا  تعزيز هذا التوجه من خلال إيجاد أسواق خارجية للـمنتجات الوطنية القابلة والـموجهة للتصدير، لاسيما في بلدان الجوار، أين يجري العمل حاليا على فتح الـمعابر الحدودية، وإنشاء منصات لوجستية، ومناطق حرة على مستوى الولايات الحدودية، بما يحقق للـمنتج الوطني مكانة في الأسواق الإفريقية، لاسيما وأن الـمنشآت القاعدية التي تتوفر عليها بلادنا، وخاصة الطريق العابر للصحراء، ستشكل دعامة رئيسية لعمليات التصدير.

وفي هذا الإطار، ينتظر من ممثلياتنا الدبلوماسية والقنصلية أن تكون أكثر فعالية وبراغماتية، وأن تلعب دوراً هاماً من خلال التعريف بالـمنتج الوطني وجودته، ومرافقة الـمصدرين الجزائريين وربط الاتصال بين الـمتعاملين الاقتصاديين الجزائريين، ونظرائهم في الدول الأخرى، مع إحاطتهم بالجوانب التنظيمية ذات الصلة بالتبادلات التجارية.

وعلى المستوى العملي، ولتحقيق مجموعة الأهداف، يصبح من الضروري لممثلياتنا في الخارج:

- إقامة روابط مع الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين؛

- معرفة إمكانات الإنتاج والتصدير؛ والعمل قدر الإمكان، على التكفل باهتماماتهم وتقديم الدعم المناسب لهم؛  

- تركيز وتنسيق الجهود للنهوض بالاقتصاد الوطني وإبراز صورة لجزائر تنافسية وجذابة في الخارج؛
- وضع اهتمامات المصلحة الاقتصادية الوطنية في صميم العمل الدبلوماسي، من خلال منح أكبر قدر من الاهتمام للعلاقات الاقتصادية، سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف، عبر البعثات الدبلوماسية والسفارات والقنصليات في الخارج؛

- دعم شركاتنا في سعيها للتدخل في الأسواق الخارجية؛

- جذب الاستثمار الأجنبي الذي يخلق فرص عمل؛

- التعريف بديناميكية شركاتنا ومؤسساتنا الناشئة على وجه الخصوص.

 

كما يتعين العمل على إثراء وتحيين الأطر القانونية التي تحكم الـمبادلات التجارية لبلادنا مع الدول الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالأحكام التي تسهل ولوج الـمنتجات الوطنية إلى أسواقها، وذلك من خلال رصد الـمعوقات والعمل على تذليلها، وتنشيط مجالس رجال الأعمال وتكثيف الـمعارض والتظاهرات التجارية الهادفة إلى ترقية المنتوج الوطني.

وفي هذا الإطار، لابد من الإشارة إلى أهمية استغلال مناطق التبادل الحر، لاسيما الإفريقية منها، من أجل ترقية الصادرات الوطنية، لقدرتها على استقطاب الاستثمارات الـمنتِجة، التي سيتسنى لها ولوج الأسواق الدولية انطلاقا من الجزائر، كما ستعزز وتدعم ولوج الـمتعاملين الاقتصاديين الجزائريين إلى السوق الإفريقية.

وضمن هذا الإطار، يجدر التذكير بأن الجزائر قد صادقت بتاريخ 23 جوان 2021، على الإتفاق الـمؤسس لـمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF)، واكتسبت من خلالها صفة دولة طرف،  وهي تعكف حاليا على إستكمال إجراءات إيداع العرض التعريفي الأول لتجارة السلع والخدمات.

وإلى جانب ذلك، تعمل الجزائر على تقييم الاتفاقات الـمتعددة الأطراف والاتفاقيات الثنائية، لاسيما اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تقييم مسار انضمام بلادنا إلى الـمنظمة العالـمية للتجارة، ودراسة كل الـملفات الـمتصلة بترقية الصادرات الوطنية.

 

 

أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،

إن الحكومة عازمة على فتح مكاتب تمثيلية لبعض البنوك الجزائرية في إفريقيا في إطار تشجيع الصادرات خارج الـمحروقات وتعزيز الـمبادلات التجارية مع القارة الأفريقية، كما ستباشر، في القريب العاجل الـمفاوضات، الـمتعلقة بدراسة إمكانية الإنضمام إلى بنك التصدير والإستيراد الإفريقي «EXIM BANK».

كما لا يفوتني التنويه بالدور الـمنتظر من جاليتنا الوطنية والكفاءات الوطنية بالخارج، إذ ينبغي تعزيز روابطها مع الأمة وإشراكها فعليا في جميع الجوانب الـمتعلقة بتنمية البلاد، وذلك عبر اتخاذ تدابير عملية من أجل تحفيز رعايانا على الاستثمار في مشاريع اقتصادية، وإشراكهم في استراتيجية ترقية الصادرات خارج الـمحروقات، وجلب مدخراتهم من خلال البنوك والوكالات التي يجري العمل على فتحها بالخارج.

وقد صار ضروريا الآن وضع تنظيم جديد للسماح لهذه الجالية من المساهمة في البناء الوطني. ويمكن لمثل هذا التنظيم أن يأخذ بعين الاعتبار العناصر التالية:

- مناخ الثقة، الذي يظل أساسيا، من خلال استخدام التكنولوجيا كوسيلة لضمان الشفافية أثناء تنفيذ تدخلات المغتربين.

- ضمان التدفق الكافي للمعلومات والأفكار وكذلك وصول المغتربين إلى السلع والخدمات وفرص الأعمال.

بعبارة أخرى:

- إنشاء شبكات مستدامة على المدى الطويل بين المغتربين والجهات الفاعلة المحلية في بلدان الأصل؛
- استخدام التقنيات الحديثة، مثل الشبكات الاجتماعية ومنصات الندوات الإلكترونية، لتحسين الاتصال على المستوى المحلي من أجل التعاونوتسهيل مدى وأثر تدخلات المغتربين عن بعد في البلد الأصلي؛

- خلق فرص تواصل.

- التأكيد على أن المهاجرين يلعبون دورا إيجابيا ويجلبون قيمة مضافة إلى الاقتصاد والمجتمع والثقافة. غالبا ما يتم تجاهل الاتصال، ولكنه ضروري للتعريف بفرص العمل واكتساب دعم أكبر.

 

إن التطور الذي عرفته جاليتنا في الخارج، خلال العقود الماضية، من شأنه أن يسمح لها بمساهمة نوعية مهمة في تحسين مستوى التنمية في بلدنا ، من خلال استثمارات ذات قيمة إضافية عالية.

في هذا الصدد ، تجدر الإشارة إلى أنه نظرا لغياب، إلى غاية اليوم، شبكة مصرفية خاصة ببلدنا، فإن الجزائر لا تستفيد إلا قليلا من التحويلات المالية لجاليتنا في الخارج. وعليه، فقد أصبح من الضروري أن يتغير هذا الوضع في أسرع وقت ممكن.

تجدر الإشارة إلى أن التحويلات المالية من المغتربين على الصعيد العالمي يمكن أن تصبح، بالنظر إلى تطورها مع مرور الوقت، مصدرا مهما لتمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبالفعل، ووفقا للبنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين في العالم سنة 2019، إلى مبلغ قياسي قدره 548 مليار دولار. لقد فاق هذا المبلغ لاستثمار الأجنبي المباشر (534 مليار دولار) فاق بكثير من المساعدة العمومية للتنمية (166 مليار دولار).

 وكانت البلدان الرئيسية المتلقية للتحويلات :

الهند (83.1 مليار دولار أمريكي)،

الصين (68.4 مليار دولار أمريكي)،

المكسيك (38.5 مليار دولار أمريكي)،

الفلبين (35.2 مليار دولار أمريكي)،

مصر (26.8 مليار دولار)،

نيجيريا (24.3 مليار دولار أمريكي)،

باكستان (21.0 مليار دولار أمريكي)،

فيتنام (15.9 مليار دولار أمريكي)،

أوكرانيا (14.4 مليار دولار أمريكي).

 

وبحسب نفس التقرير، سجلت الجزائر خلال العام المذكور مبلغ 1.7 مليار دولار. إن هذا المبلغ لا يعكس نهائيا إمكانات جاليتنا الوطنية في الخارج ، لاسيما بالنظر إلى عددها ووزنها الاقتصادي.

وبالمثل ، بلغت التحويلات إلى بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 44 مليار دولار أمريكي في عام 2019. وتتزايد هذه التحويلات بسرعة وهي تتجاوز الأن مستويات المساعدة العمومية للتنمية والاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا جنوب الصحراء.

كما لوحظ تغير في السلوك مع رغبة هذه الجاليات في دعم التنمية الاقتصادية لبلدان المنشأ.

وبالتالي ، فقد تم الانتقال من تحويلات الأموال الاجتماعية التي تهدف إلى تلبية احتياجات الأقارب أو دعمهم لتمويل الإنفاق الاجتماعي، إلى التحويلات المخصصة للمبادرات الاقتصادية في مشاريع أكبر، وخاصة الاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة.

في هذا السياق، أود أن أذكر بشكل خاص مثالا يحتذى به لدولة، و هي الصين، التي تمكنت من تصميم سياسة فعالة ووضع آليات الدعم المناسبة حتى يتمكن مغتربوها من المساهمة بشكل نشط في التنمية الاقتصادية للصين وازدهاره الصناعي المذهل.

تعتبر العائدات المالية كبيرة للغاية حيث اكتسبت الجالية الصينية بالخارج وزئا اقتصاديا غير مسبوق حول العالم.

وبحسب البنك الدولي، فإن حجم التحويلات التي تلقتها الصين في عام 2019 يصل إلى أكثر من 68 مليار دولار أمريكي.

يشارك هؤلاء المهاجرون أيضا في:

-  تأمين الواردات، حيث تعتمد الصين، في سياق نموها الكبير، بشكل متزايد على واردات الموارد الطبيعية الأجنبية. وتعمل الشركات الصينية في الخارج على تأمين إمدادات الصين من المواد الخام.
-  تحفيز الصادرات؛ حيث تستورد الشركات التي يمتلكها صينيون بالخارج كميات هائلة من السلع والمكونات المنتجة في الصين، مما يساعد على توسيع التجارة الدولية الصينية.
- نقل المعرفة والتكنولوجيا العالية؛ هناك الآلاف من الشركات الصينية ذات القيمة المالية والتكنولوجية العالية يقودها صينيون تدربوا في الخارج، وقد حسنوا من أدائها وساهموا في نهوض الصين في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الصناعة.

وتعد اليوم، هذه الشركات مساهما مهما في اقتصاد التكنولوجيا المتقدمة. وإجمالا ، فإن حوالي 57٪ من الشركات التي أنشاها صينيين عائدون من الخارج هي شركات علمية ، %44 منها تمتلك براءات اختراع.

و توجد معظم الشركات التي أنشاها صينيون عائدون من الخارج في قطاع التكنولوجيا المتقدمة أو في الخدمات المتطورة.

إلى جانب التدفقات المالية الهائلة التي يدفعون بها تجاه بلدهم الأصلي، يشارك المهاجرون الصينيون في التأثير الثقافي للصين على نطاق عالمي ويمكنهم، في بعض البلدان، التأثير على الحكومات المحلية لتعزيز مصالح بكين.

وهكذا، يعد المهاجرون الصينيون عبارة عن همزات وصل إستراتيجية (relais strategiques)  للقوة الصينية ويساهمون بنشاط في تعزيز قوة الدولة الصينية.

و تشكل الجالية الصينية :

- أساس استراتيجي للتوسع الثقافي، من خلال المساعدة على نشر الثقافة واللغة الصينية خارج الحدود الوطنية. تدعم الجاليات الصينية في الخارج العمل الثقافي الذي أطلقته الصين وتعزز بروز قوتها الناعمة (تم ، على سبيل المثال، إنشاء معاهد كونفوشيوس بالخارج بهدف نشر ثقافة الصين القديمة، لتعزيز تدريس اللغة الصينية، و تعريف الناس بفن الطبخ الصيني، والطب الصيني التقليدي، وفنون الدفاع عن النفس، والخط ، ...)؛ :

- رصيد سياسي ودبلوماسي ؛ الذي أقيم لدعم سياسة إعادة التوحيد الوطني للصين.

فإلى جانب اللجان المؤيدة لإعادة توحيد الصين، تم تأسيسها في الخارج من قبل أعضاء الجالية. يمكن للجالية الصينية تمكين دولة الصين من إنشاء أو تعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع الدول المضيفة.

وللإشارة، تبلغ قيمة هذه التحويلات حاليا مستويات جد متدنية مقارنة بالدول التي لها جالية أقل بكثير من جاليتنا، بحيث لـم تتجاوز 3,2 مليار دولار كمعدل سنوي، بما فيها تحويلات الـمتقاعدين في الخارج، في الثلاث سنوات الأخيرة، أي ما يقارب 2% من الناتج الداخلي الخام.

فضلا عن ذلك، فإن جاليتنا بالخارج تضم عدداً متزايداً من الكفاءات والباحثين والأساتذة والخبراء رفيعي الـمستوى الذين أبدوا استعداداً للـمساهمة في ضمان دورات تكوينية عالية الـمستوى في الجزائر.

ولذا، يتعين العمل على استكمال مشروع البوابة الإلكترونية الـمخصصة للكفاءات الوطنية بالخارج، قصد تسهيل مساهمتها في تطوير مختلف الـميادين، لاسيما التقنية والتكنولوجية والعلـمية والتكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال والذكاء الاصطناعي وغيرها من ميادين إقتصاد الـمعرفة.

ولكي تساهم جاليتنا بشكل طوعي ومنظم في مسار التشييد وبناء الوطن، فهي في حاجة إلى إسترجاع الثقة، وهنا أود التذكير بأن هذه الـمسألة تعتبر أولوية الأولويات في برنامج السيد رئيس الجمهورية، لأن نجاح أي برنامج تنموي مرهون بمدى قبوله من طرف النخبة والـمواطن، وإنخراطه في مسعاه.

ولهذا، فممثلياتنا الدبلوماسية مطالبة بالإصغاء لإنشغالات جاليتنا، ومرافقة ودعم كفاءاتنا في الخارج ودعم تموقعهم، والتوصية بهم في الهيئات والـمنظمات ومراكز البحث التي يعملون بها.

أيتها السيدات الفضليات أيها السادة الأفاضل،

من بين القطاعات التي تستدعي أيضا مساهمة كبيرة للدبلوماسية الإقتصادية، يجدر ذكر قطاع السياحة الذي، وبالرغم من الـمؤهلات الكبيرة لبلادنا، إلا أنه يبقى حبيس عوائق  عديدة،  وهو ما  يحتم علينا ضرورة النهوض به، من أجل جعل الجزائر وجهة سياحية بامتياز، عبر دعم وكالات السفر وتسهيل إجراءات التأشيرة لصالح السياح الأجانب، وتنويع العرض السياحي، والعمل على بروز أقطاب إمتياز سياحية، تستجيب للـمعايير الدولية، وتشجيع اللجوء إلى صيغ تحفيزية، وهي مستهدفات يقع على عاتق ممثلياتنا الدبلوماسية والقنصلية الـمساهمة في بلوغها، بالعمل على التعريف بالوجهة الجزائرية وبعرضها السياحي الفريد من نوعه، واستقطاب الطلب العالـمي والإستثمار في مجال السياحة.

وينبغي التنويه بأن شقا مهما من أولويات العمل الحكومي يتعلق بالتعاون الدولي وبالدبلوماسية الاقتصادية لبلادنا، من أجل بناء شراكات مربحة، تنخرط تماماً في الجهود الوطنية لبناء اقتصاد وطني متماسك وخلاق للثروة ومناصب الشغل، ومدر للعائدات بالعملة الصعبة، ومتحرر من الريع النفطي، ومنفتح على الاستثمار الخارجي.

وفي هذا الـمنظور، فإن ممثليات الدبلوماسية مطالبة أيضا بإنشاء قواعد بيانات إقتصادية وتجارية ووثائق محينة بإستمرار، تسمح بالإستجابة لـمختلف الطلبات الـمتعلقة بالإحصائيات والـمؤشرات الإقتصادية حول بلد الإعتماد، والبطاقات التقنية حول قوانين وفرص الاستثمار والشراكة.

ولذا، فإنني أدعوكم إلى العمل، كل فيما يخصه، على دعم نمو الاقتصاد الوطني، بشكل عام، وبالأخص في الـمجالات التي تشكل أولويات العمل الحكومي، والتي يمكنكم الاطلاع على تفاصيلها، في "مخطط عمل الحكومة من أجل تنفيذ برنامج السيد رئيس الجمهورية"، لتكون بذلك بوصلة للدبلوماسية الاقتصادية التي تطمح بلادنا إلى تجسيدها.

إن إجراءات دعم الدبلوماسية الإقتصادية مثل مكتب الإعلام وترقية الإستثمارات والصادرات الذي تم إنشاؤه على مستوى وزارة الشؤون الخارجية، وكذا البوابة الإلكترونية الـمخصصة لدعم الـمتعاملين الإقتصاديين إضافة إلى شبكة الـمكلفين بالشؤون الإقتصادية والتجارية على مستوى الـممثليات الدبلوماسية، ليست كافية لوحدها.

وحتى تقوم الدبلوماسية الإقتصادية بهذا الدور الإستراتيجي الهام، فهي مطالبة بتعزيز بنية الـممثليات الدبلوماسية وتشكيلتها بما يضمن تمثيل بعض القطاعات الإستراتيجية الـمعول عليها في بناء النموذج الإقتصادي الجديد.

فضلا عن ذلك، وبالنظر إلى شراسة الـمنافسة الإقتصادية والتجارية بين مختلف الفاعلين، يجب أن يتسلح أعضاء السلك الدبلوماسي الـمنوط بهم هذا الدور، بأدوات اليقظة الإقتصادية والصناعية والتجارية والتكنولوجية، كما يجب أن تتماشى منظومة تكوين أعضاء السلك الدبلوماسي الـمنوط بهم هذا الدور، مع تطور الـمعارف في مجالات الإقتصاد، والتجارة الدولية، والإستثمار، وحركة رؤوس الأموال.

إن مرادنا الأسمى، هو أن تتحول ممثلياتنا الدبلوماسية والقنصلية إلى قوة اقتراح في كل ما من شأنه دعم النمو الاقتصادي وتنويعه، وترقية الصادرات خارج الـمحروقات وجلب الاستثمارات الخارجية ونقل التكنولوجيا وترقية الجزائر كوجهة سياحية بامتياز، والارتقاء بصورتها وإشعاعها الثقافي إقليميا ودوليا، لاسيما في السياقات الراهنة التي تفرض تحديات كبيرة، تستوجب علينا جميعا مجابهتها، وفاء لرسالة نوفمبر الـمجيدة، التي أحييناها منذ أيام قليلة.

وفي الأخير، وإذ أتمنى لندوتكم هذه تمام النجاح، فإنني أدعو الـمولى أن يوفقكم في أداء مهامكم على أكمل وجه، خدمة لبلادنا العزيزة وشعبها العظيم،

تحيا الجزائر، حرة أبية ومستقرة ومتطورة ومزدهرة،

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".